حين يُذكر اسم السيدة أنيسة محمد جعفر، لا يُستحضر مجرد اسم إعلامية أو معلمة، بل تنهض في الذاكرة صورة أمٍ حانية، احتضنت طفولة أجيال كاملة في الكويت والخليج العربي. “ماما أنيسة” لم يكن لقباً عابراً، بل كان هويةً إنسانية اختارها الناس لها، ومنحوها بمحبة صادقة، حتى أصبحت رمزاً للأمومة التربوية، وصوتاً دافئاً، ارتبط ببراءة الطفولة وابتسامتها.
بدأت مسيرتها في ميدان التعليم، معلمةً لمادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية، فغرست في طلابها القيم والأخلاق، قبل الحروف والكلمات. آمنت بأن التعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة، وأن الطفل ليس متلقياً للمعلومة فحسب، بل روح تحتاج إلى احتواء وفهم وإرشاد. ومن خلال عملها في إدارة النشاط المدرسي بوزارة التربية في دولة الكويت، أظهرت رؤيةً ثاقبة في ربط التعليم بالأنشطة الثقافية والإعلامية، فكانت من الرائدات في تطوير البرامج الموجهة للأطفال داخل المؤسسة التربوية.
ثم جاءت المرحلة التي صنعت مجدها الإعلامي، حين انتقلت إلى شاشة تلفزيون الكويت، لتبدأ رحلة جديدة أكثر اتساعاً وتأثيراً. هناك، لم تكن مجرد مذيعة، بل كانت أماً لكل طفل يشاهدها. قدمت برامج خالدة مثل “جنة الأطفال”، “صبيان وبنات”، “نادي الأطفال”، و”عيال الديرة”، فشكّلت عبرها وجدان الطفولة، ورسّخت في نفوس الصغار قيماً مستمدة من الدين الإسلامي الحنيف، والعادات الخليجية الأصيلة، والهوية العربية السمحة.
تميزت برامجها بالبساطة والصدق، وكانت تخاطب الطفل بلغة قريبة من قلبه، تحترم عقله وتقدّر مشاعره. لم تكن تبحث عن الأضواء، بقدر ما كانت تسعى إلى الأثر، ولذلك بقي أثرها حياً حتى اليوم. وكانت تقول بفخر: “لا أحبذ لفظ كلمة إعلامية، وأحب أن يُناديني الجميع بماما أنيسة”، معتبرة أن هذا اللقب هو أعظم وسام نالته في حياتها.
تلقت دورات تدريبية في BBC وفي القاهرة عام 1972، ما صقل أدواتها المهنية، غير أن سر تميزها الحقيقي كان في صدقها وعفويتها، وقربها من الناس. وقد نالت تقديراً واسعاً، تجسّد في حصولها على جائزة الدولة التقديرية عام 2013، وجائزة الهيثم للإعلام العربي عام 2016، إضافة إلى العديد من الدروع التكريمية التي احتفت بمسيرتها الثرية.
ورغم تقاعدها من وزارة التربية عام 1987، استمرت في عطائها الإعلامي، لأن رسالتها لم تكن مرتبطة بمنصب، بل كانت نابعة من قلبها. كانت تؤمن بأن “السعادة الحقيقية في ابتسامة الأطفال”، وأنها تتعلم منهم الصدق والصراحة واحترام الآخرين.
وهكذا، بقيت “ماما أنيسة” أكثر من شخصية إعلامية، بقيت ذاكرة وطن، وأماً روحية لأجيال، وصوتاً لا يزال يهمس في وجدان من كبروا على حكاياتها، يذكرهم بأن الطفولة الجميلة تصنعها قلوب صادقة، قبل أن تصنعها الكاميرات.
مثّلت ماما أنيسة نموذجاً فريداً في الجمع بين التربية والإعلام، فكانت مدرسة في الأخلاق، قبل أن تكون مقدمة برامج، ورسخت عبر شاشات تلفزيون الكويت قيماً إنسانية ووطنية، ظلت حاضرة في وجدان المجتمع الكويتي والخليجي. لقد كانت – وستبقى – أماً لأجيال صنعتها كلماتها الدافئة وابتسامتها الصادقة.
نؤمن أن المعرفة تُبنى بالمشاركة.
ساهم برأيك أو مقترحك لإثراء محتوى موسوعة نبلاء السيرة الذاتية.
Copyright 2025 NOBLE BIOGRAPHY ENCYCLOPEDIA All Rights Reserved.