
من منا لم يرفع عينيه إلى السماء ذات يومٍ وهو طفل، فيتابع ذلك الطائر الفضي اللامع يشق زرقة الفضاء بصوت هديره العميق؟ من منا لم يفتنه ذلك المشهد الساحر، فيتخيل نفسه محلقاً بين الغيوم، يضم جناحي الحلم إلى أجنحة الطائرة وهي تجوب الآفاق من سماء إلى أخرى؟ تلك الأسئلة التي تسكن خيال الطفولة، كانت بداية الحكاية مع الكابتن طيار حمدان راشد الزعابي، الذي لم يكتفِ بمراقبة الطائرات من الأرض، بل مضى ليصبح واحداً من قادتها في السماء.
منذ طفولته الأولى، ارتبطت صورة الطائرة في ذهنه بمعنى كبير في وجدانه، فقد كان كلما رأى طائرة تعبر السماء، يردد اسم المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، معتقداً ببراءة الطفولة أن كل طائرة في السماء تحمل ذلك القائد الذي أحبه أبناء الإمارات. وظل ذلك الربط العاطفي بين الطائرة والوطن قائماً في داخله، ليغدو لاحقاً حافزاً يدفعه نحو تحقيق حلم التحليق.
لم يكن طريقه إلى الطيران مباشرة منذ البداية، فبعد إنهائه المرحلة الثانوية التحق بكلية الاتصالات للهندسة في الشارقة، غير أن شغفه القديم بالطيران ظل يرافقه. وجاءت الفرصة، حين اقترح عليه أحد أقاربه التقدم إلى برنامج الطيران المدني الذي ترعاه طيران الإمارات لتأهيل الطيارين المواطنين. تقدم الزعابي للاختبارات ضمن نحو ستمئة متقدم، ولم يُقبل منهم سوى خمسة طلاب، كان من بينهم.
كانت الاختبارات دقيقة وشاملة، شملت الفيزياء والرياضيات واللغة، إلى جانب الاختبارات الذهنية والطبية، ثم أُرسل المقبولون إلى أستراليا لاختبارات إضافية، تتعلق بقيادة الطائرات وسرعة الاستيعاب والقدرة على اتخاذ القرار. وبعد اجتياز تلك المراحل، بدأ برنامجاً تدريبياً مكثفاً، استمر عاماً كاملاً، تخلله تعليم نظري وعملي، ضمن معايير عالمية صارمة، ليبدأ بعدها مشواره المهني في عالم الطيران.
خلال فترة إقامته في أستراليا لم يقتصر نشاطه على الدراسة فقط، بل شارك مع زملائه في مسابقات رياضية عدة، فقد أسهم مع فريق طيران الإمارات في تحقيق المركز الأول في بطولة التجديف على مستوى الكلية، والمركز الثاني على مستوى شمالي أستراليا، كما شارك في بطولة كرة القدم، وحقق مع فريقه كأس البطولة، ونال شخصياً لقب أفضل لاعب وهداف البطولة.
إلى جانب الطيران، يمتلك الزعابي ميولاً ثقافية وأدبية واضحة. فقد نشأ محباً للقراءة، بفضل تأثير والدته التي شجعته منذ الصغر على اقتناء الكتب. وكانت أولى قراءاته رواية “حرب النجوم” للكاتب أحمد توفيق، التي فتحت أمامه أبواب الخيال والمغامرة. ثم توسعت قراءاته، لتشمل أعمالاً أدبية متنوعة، من ألف ليلة وليلة إلى شعر أحمد شوقي، وروايات نبيل فاروق وباولو كويلو، وخاصة رواية “الخيميائي”، إضافة إلى روايات أغاثا كريستي، التي أعجب بقدرتها على رسم الشخصيات وتحليل أبعادها النفسية.
هذا الشغف بالقراءة قاده أيضاً إلى الكتابة، فبدأ بكتابة الشعر النبطي، وبعض المحاولات الشعرية الفصيحة، مستلهماً معانيه من الصحراء والسماء معاً. كما يمارس هوايات أخرى، مثل كرة القدم وركوب الخيل، لما تحمله الخيل في نظره من رمزية أصيلة، مرتبطة بتاريخ العرب وقيمهم.
وخلال سنوات دراسته المدرسية في عجمان وأم القيوين، كان له حضور ثقافي واضح، فقد تولى مهمة مقرر اللجنة الثقافية في مدرسته، ونظم مع زملائه فعاليات ثقافية، كما ألّف وأخرج مسرحية مدرسية بعنوان “من زوجتي”، حصلت على جائزة تقديرية، في تجربة مبكرة، كشفت عن ميوله الأدبية والفنية.
اليوم، يقود الكابتن حمدان الزعابي الطائرات في سماء العالم، حاملاً معه شغف الطفولة ذاته الذي بدأ بمراقبة الطائرات من الأرض. وبين مدارج الطفولة ومدارج المطارات، يواصل رحلته في التحليق، مؤمناً بأن الطيران ليس مجرد مهنة، بل نافذة لاكتشاف العالم وثقافاته، ورسالة لتمثيل وطنه الإمارات خير تمثيل في كل سماء يحلق فيها.
نؤمن أن المعرفة تُبنى بالمشاركة.
ساهم برأيك أو مقترحك لإثراء محتوى موسوعة نبلاء السيرة الذاتية.
Copyright 2025 NOBLE BIOGRAPHY ENCYCLOPEDIA All Rights Reserved.